بأسمال بنيَّة، متفاوتة، وعصبة لا تستر رأسه، وقد انتفش شعره م...
بأسمال بنيَّة، متفاوتة، وعصبة لا تستر رأسه، وقد انتفش شعره من جوانبها، بدأ بضرب أوتار عوده كأنه يحادثه، أهو يأخذ عليه عهدًا ألا يخذله؟ بدأ بالعزف، بلا نغمة واضحة، وسط التهاء الحضور، ثم من بين النغمات ظهرت نغمة لافتة، فساد الصمت، كخطيب بينهم، أدركوا نغمة شجيّة يختلط فيها الحزن بالطرب، أعادها عليهم وهم يتفقدّونه بأعينهم، بعضهم تسمّر يرقب يديه وما تفعلان. حضن عوده كطفل يُنيمه، راقبوا يديه وهما تعبثان بدقة، رفع عوده يشدَّ عليه، زادت اضطراباته، تبعث نغمات عجب كثيرون أنّ مثلها يمكن أن تخرجها خشبة وبضعة أوتار، ثم مال بعوده كأنه قِربة يسقي بها من حولَه، وعصبة رأسه تراقصه يمينًا وشمالًا، أغمض عينيه فزاد تفرّدًا، وعصر عوده فأخرج كل أشجانه، قطّع نغماته كأنه يوزعها على جمهوره بالنفَر، وما عاد إلى نغمته الأولى إلا وقد ضحك بعض الناس مذهولين، كيف يفعلها؟ ...